الشيخ محمد النهاوندي
442
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
للشّرع ، فإذا منعوا عن إظهار الحقّ وحقاظته ، واتّقوا من الجبابرة ، لم يكن للنّاس على اللّه حجّة لكون ذلك بسوء اختيارهم ، مع أنّ بركاتهم في غيبتهم متّصلة إلى الموادّ المستعدّة ، لو توجّهوا إليهم واستمدّوا منهم . ثمّ توصيفهم [ في كتاب ] اللّه تعالى بأنّهم مبشّرين ومنذرين دلالة على أنّ الأحكام والشرائع لو لم يقترنا بالتّبشير بالثّواب والأجر والإنذار بالعذاب أو العقاب لكان جعلها لغوا ، حيث إنّه لو لم يكن الطّمع والخوف ، لم يعمل أحد بحكم من الأحكام ، ولا يجري شرع من الشّرائع في الأنام . ثمّ بيّن سبحانه أنّه لم يقنع في الهداية بإرسال الرّسل ، بل وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ متلبّسا بِالْحَقِّ ودلائل الصّدق . والظاهر أنّ المراد بالكتاب جنسه ، فإنّ المرويّ أنّ عدد الأنبياء مائة وأربعة وعشرون ألفا ، والمرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر ، والمذكور منهم في القرآن [ باسم العلم ] ثمانية وعشرون « 1 » ولم ينزل مع كلّ واحد منهم كتاب ، بل الأنبياء بعد موسى عليه السّلام كان كتابهم هو التّوراة ، وكانوا حافظين لأحكامها ، وكذلك الأنبياء بعد عيسى عليه السّلام كان كتابهم الإنجيل ، وكانوا حافظين له ، وإن كان لبعض النّبيّين كداود عليه السّلام كتاب ولكن لم يكن فيه أحكام . لِيَحْكُمَ النّبيّ أو الكتاب المنزل عليه بَيْنَ النَّاسِ وليكون المرجع عندهم فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ من الحقّ والدّين وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ وانزل إليهم لرفع الاختلاف من بينهم ، فجعلوا الكتاب الذي انزل لرفع الاختلاف وسيلة لشدّة الاختلاف مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ والدّلائل الواضحات على الحقّ بحيث لم يكن مجال لأن يشتبه عليهم ، وإنّما كان الاختلاف بَغْياً وظلما وحسدا بَيْنَهُمْ لحرصهم على الدّنيا وزخارفها . فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا منهم ، وهم امّة محمّد صلّى اللّه عليه وآله لِمَا اخْتَلَفُوا سائر النّاس فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وتبيينه وتوفيقه لفهمه وقبوله . روي أنّه صلّى اللّه عليه وآله قال : « نحن الآخرون السّابقون يوم القيامة ، ونحن أوّل النّاس دخولا في الجنّة يوم القيامة ، بيد أنّهم أوتوا الكتاب من قبلنا واوتيناه من بعدهم ، فهدانا اللّه لما اختلفوا فيه من الحقّ بإذنه ، فهذا اليوم الذي هدانا اللّه « 2 » ، والنّاس لنا فيه تبع ، وغدا لليهود ، وبعد غد للنّصارى » « 3 » .
--> ( 1 ) . راجع : تفسير البيضاوي 1 : 115 . ( 2 ) . في تفسير الرازي : هدانا له .